ملا محمد مهدي النراقي
265
جامع السعادات
وبعضهم حضر الجماعة مدة ، ولم يعرف قط من على يمينه ويساره . وكان وجيب الخليل يسمع على ميلين . وكان جماعة تصفر وجوههم ، وترتعد فرائضهم عند الصلاة . وكل ذلك غير مستبعد ، فإن إضعافه مشاهدة في هم الدنيا وخوف ملوك الدنيا ، مع ضعفهم وعجزهم ، وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم . وحتى يدخل الرجل على ملك أو وزير ، ويحدثه بمهم ويخرج ، ولو سئل عمن كان على حواليه ، وعن ثوب الملك ، لكان غير قادر على الإخبار عنه ، لاشتغال همه به عن ثوبه وعن الحاضرين حوله : ( ولكل درجات مما عملوا ) ( 21 ) . فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه . فإن موضع نظر الله القلوب ، دون ظاهر الحركات . ولذا قال بعض الصحابة : ( يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة ، من الطمأنينة والهدوء ، ومن وجود النعم واللذة والبهجة بها ) فالمحفوظ حال القلب لا حال الشخص . ولذا قيل ( من صفات القلوب تصاغ الصور في دار الآخرة ، ولا ينجو : ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) ) ( 22 ) تنبيه دفع إشكال إن قيل : المستفاد من الظواهر المذكورة ، أن صلاة الغافل ليست مقبولة إلا بقدر ما أقبل عليه منها ، والفقهاء لم يشترطوا إلا حضور القلب عند النية والتكبير ، فكيف التوفيق ؟ قلنا : فرق بين القبول والإجزاء ، فإن المقبول من العبادة ما يقرب العبد إلى الله ويترتب عليه الثواب في الآخرة ، والمجزي منها ما يسقط التكليف عن العبد ، وإن لم يترتب عليه ثواب ولم يقربه إلى الله . والناس مختلفون في تحمل التكليف ، فإن التكليف إنما هو بقدر الوسع والطاقة ، فلا يمكن أن يكلف الجميع بإحضار القلب في جميع الصلاة ، إذ لا يقدر على ذلك إلا الأقلون . وإذ لم يمكن اشتراط الإستيعاب الضرورية فلا
--> ( 21 ) الأنعام ، الآية : 132 . الأحقاف ، الآية : 19 ( 22 ) الشعراء ، الآية : 89